الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
522
مرآة الحقائق
لبقاء مدار الأمر والنهي الذي هو النفس الإنسانية المختلفة المراتب . وتواصي بالصبر في أوائل الأمر ، وهو حال المبتدئ ، وبالشكر في أواسطه ، وهو حال المتوسط ، وبالفناء عن كل منهما في أواخره ، وهو حال المنتهي ، فبالصبر يصير الحضرم حلوا ، والمرّ سكرا ، فاصبر كما صبروا ؛ تظفر كما ظفروا ، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين : أي اليقين المطلق الذي لا يقين فوقه ، وإليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « اللّهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي ، ويقينا ليس بعده كفر » « 1 » ، رحمنا اللّه تعالى وإياكم بذلك . 28 - في المتفق عليه بين البخاري ومسلم : « من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا ؛ فهو في سبيل اللّه » « 2 » : إرشاد عظيم للسالكين إلى ما يحصل به الفتوح الإلهية ، والوصول إلى مقام القرب والوصال ، وحاصله إن من قاتل نفسه التي هي أعدى الأعداء ؛ ليكون التوحيد الروحاني ساريا في الطبيعة ، وقواها ؛ فيكون الدين القلبيّ عاليا على الدين الذي يدعوا إليه النفس والشيطان ؛ فهو فقط في السبيل الموصل إلى سر اللّه تعالى . وأمّا من قاتل شيء من الأغراض السالفة ، أو العالية دون اللّه تعالى ؛ فهو في سبيل ما سوى اللّه ، والطريق إذا أوصل إلى الكون ؛ فهو ليس بطريق ؛ بل الطريق هو ما يوصّل إلى اللّه تعالى فوق الكون ؛ بل فوق عالم العلم ؛ لأن العلم من الإضافات أيضا ؛ فقد ظهر من هذا أن أهل الوقفة إنما وقفوا في الطريق ، ولم ينته بهم ذلك إلى المقصد ؛ لفتور عزائمهم ، وقصور نيّاتهم وقصودهم ، فلا بد لأهل الإخلاص من قطع الأماني أية أمنية كانت ؛ بل من مطلق الطلب ؛ لأنه من الإضافات ؛ لكن لا يظهر حقيقة هذا المقام إلا لأهل النهاية . وغاية ما في الباب أن ههنا أمرين : أحدهما : ما يرجع إلى جانب الحق تعالى . والآخر : إلى جانب العبد .
--> ( 1 ) رواه الطبراني في الأوسط ( 6 / 118 ) ، وذكره الهيثمي في الزوائد ( 10 / 181 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 1 / 58 ) ، ومسلم ( 3 / 1512 ) .